فؤاد ابراهيم
78
الشيعة في السعودية
المستقلة والمنفصلة عن المحيط الاجتماعي الكبير ، وهذا التعبير يأخذ في مستوى متقدم طور النضال ضد النظام السياسي والاجتماعي ، هدفه حرية الذات ، كما يحقق هذا الحضور الكثيف للذات هدفا خاصا بالجماعة الشيعية التي تنظر بعين الرضا إلى قدرتها على إشباع حاجات الأفراد وتوقعاتهم داخل الجماعة ، حين لا يكون هناك خيار بديل يعوّض الأفراد . فالعودة إلى الذات كانت تمثّل دائما شكلا من أشكال التمرد على النظام العام ، خصوصا حين يكون الأخير عاجزا عن توفير الاطمئنان للخاضعين له طوعا أو كرها . فهناك جهد دائم تبذله الجماعة المهددة لصنع نظام بديل ، تعيد بداخله إنتاج ذاتها ، وتحمي به أفرادها إزاء انتهاكات نظام مصمم - بحسب رؤية الجماعة - على تقويض الجماعة واكتساح عالمها الخاص . ثمة ما يبرر انخراط قطاع من الشيعة في اللعبة الطائفية ، مصدر شقائهم ، وساحة صراعهم ، وهناك من يغذي نزعة الطائفية في الوسط الشيعي سواء الدولة أو فئات شيعية ترى في التمترس داخل الشرنقة الطائفية حصنا ووسيلة حماية . ولكن ما يستحق التأمل طويلا هو الانزلاق إلى مستنقع الطائفية من جانب الشيعة أنفسهم ، الذين يزجّون بكل قواهم في صراع مفروض عليهم ، والذي أفضى إلى إرهاق الجهود الثقافية والاجتماعية في قضية لم يعد بإمكان رد الفعل النمطي قادرا وحده على تحرير إراداتهم وإخراجهم من المسوّرة الطائفية ، وهذا ما أحالهم مجرد جماعة مذهبية معزولة عن المحيط الوطني العام الذي تتقاسم وإيّاه مشتركات عدة . فالنزعة الطائفية أملت على قطاع من الشيعة الانحباس في نظرة تشاؤمية إزاء المحيط الاجتماعي العام ، حتى باتت تلك النظرة ممتدة إلى أنحاء الرقعة الاجتماعية والجغرافية في المملكة . فلم تعد الخريطة الدينية والاجتماعية والسياسية المتنوعة تعني لهم كثيرا ، فقد استغرقت نظرتهم إزاء وضعهم الديني والسياسي مجمل الخريطة ، ولكن بتوحّد اللون بداخلها ، فلا فروق بادية في نظرتهم بين المتطرف والمعتدل ، والمتشدد والمتنور ، والمخالف والحليف ، فهذا التصنيف يغيب في النظرة الشيعية بفعل الافتتان الحادّ بالمعضلة الطائفية . وقد حبست نظرتهم التشاؤمية قطاعا كبيرا في زاوية لم يعد يرى فيها الأبعاد الأخرى لبلد